محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
779
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
فكلّ بدعة وضلالة فهي من باب إتيان البيوت لا من بابها ، بل من ظهورها ، وكذلك كلّ سؤال عمّا لا يعنيه فلو أجيب عنه بالحقّ والحقيقة ربّما لا يعنيه ، وكلّ طلب لمطلوب هو فوق درجة الطالب ، وكلّ بحث عن محسوس أو معقول هو أشرف من الحسّ وأعلى من العقل فهو ثقب من ظهر البيت أو فتح للسقف إلى السماء وإغلاق الباب المفتوح ، وقد كان المسؤول واقفا على درجة السائل فإنّما يجيبه على قدر عقله ، كما سئل أمير المؤمنين عليّ - رضي اللّه عنه - : كم بين المشرق والمغرب ؟ قال : مسيرة يوم للشمس . فقال السائل : كم بين السماء والأرض ؟ قال : دعوة مستجابة ؛ فقال : كم بين الحقّ والباطل ؟ قال : أربع أصابع ، ووضع يده على خدّه بين السمع والبصر ، ثمّ قال : الحقّ أن تقول رأيت والباطل أن تقول سمعت . 71 فكذلك السؤال عن الأهلّة والجواب قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ . النزول [ و ] التفسير قال الكلبي ومقاتل : نزلت الآية في معاذ بن جبل وثعلبة بن غنم الأنصاريين ذلك أنّهما قالا : يا رسول اللّه ! ما بال الهلال يبدو دقيقا مثل الخيط ثمّ يزيد حتّى يمتلئ ويستوي ثمّ لا يزال ينقص حتّى يعود كما بدا ؟ فأنزل اللّه هذه الآية : قل يا محمّد هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ، أي إنّ للناس في آجالهم في المعاملات والمواعيد فيما بينهم وميقات صومهم وفطرهم وأعيادهم وعدد نسائهم وحلول الأجل في ديونهم ، حاجة إلى علامة ظاهرة يعرف بها الشهور . وقوله : وَالْحَجِّ أي وجعلها ميقاتا لحجّكم ومناسككم ، ولو كان القمر ممتلئا أبدا كالشمس لم يمكن التوقيت به وكان لا يعرف المواقيت إلّا بالحساب ، وما كان يعرفه إلا الحسّاب ، فهذا وجه الحكمة فيه . وأمّا الحجّ فكان ميقاته مقصورا على مدّة معلومة ؛ والميقات : الزمان المحدود للشيء ، وهو مفعال من الوقت كالوعد والميعاد ، والأهلّة جمع هلال ( 320 ب ) وهو غرّة القمر فيما يراه الناس ، وأخذ من استهلال الناس ورفع أصواتهم عند رؤيته بذكر اللّه - عزّ وجلّ - والإهلال رفع الصوت .